صبحي الصالح

31

مباحث في علوم القرآن

اللّه تعالى في كتابه تمسكا باصطلاحاتهم وعرفهم المخالف له ولمدلول اللغة أيضا » « 1 » . وأما العتاب الشديد فقد نطقت به آيات الفداء في سورة الأنفال ، ووجهته عنيفا صادعا ، منذرا متوعدا ، إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم وجمهور صحابته الذين أشاروا عليه بأخذ الفداء من أسرى بدر ، مؤثرين عرض الحياة الفاني على نصرة الدين ، في أول معركة في الإسلام لم يثخنوا قبلها في الأرض ، ولم يعظم بعد شأنهم فيها . ولذلك صيغ العتاب صياغة عامة تشعر بتقرير مبدأ في صفات الأنبياء والرسل ، فلم يوجه اللّه خطابه إلى رسوله رأسا ، بل استهلّ الآية بكون منفي تلته عبارة تستعظم هذا الفداء يصدر عن نبي من الأنبياء : « ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » « 2 » . ويقرب من هذا العتاب الذي لم يوجّهه اللّه - على شدته - رأسا إلى نبيه ، وإنما افتتحه بضمير الغيبة يحكي به المشهد ويصور به الواقع ، ما أدب اللّه به محمدا في قصة الأعمى عبد اللّه بن أم مكتوم رضي اللّه عنه « عندما جاءه وهو يدعو أكابر رجال قريش إلى الإسلام وقد لاح له بارقة رجاء في إيمانهم يتحدثون معه ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم علم أن إقباله عليهم ينفرهم ويقطع عليه طريق دعوتهم ، وكان يرجو بإيمانهم انتشار الإسلام في جميع العرب . فتولى عنه وتلهى بهذه الفكرة ، ولم يكن يعلم قبل إعلام اللّه تعالى أن سنته في البشر أن يكون أول من يتبع الأنبياء والمصلحين فقراء الأمم وأوساطها ، دون أكابر مجرميها المترفين ورؤسائها » « 3 » . ففي هذا أنزل اللّه هذه الآيات من سورة الأعمى :

--> ( 1 ) تفسير المنار 10 / 465 . ( 2 ) الأنفال - 68 وانظر في هذا على سبيل المثال تفسير سورة الأنفال لمصطفى زيد ص 155 - 159 وتفسير المنار 10 / 83 - 100 . ( 3 ) تفسير المنار 10 / 473 - 474 ( وانظر رأي الدكتور محمد عبد اللّه دراز في جميع هذه التقريعات المؤلمة السابقة في كتابة « النبأ العظيم » ص 17 - 19 ) .